الصفحة الرئيسية
أخبار
مقالات
مقابلات
تحقيقات
تحاليل
من نحن
اتصل بنا
الصفحة الأساسية > مقالات > نحو منهج للتعامل مع وسائل التواصل الاجتماعي

نحو منهج للتعامل مع وسائل التواصل الاجتماعي

[2017-02-01 16:17:28 ]1 شباط (فبراير) 2017


عبد الله محمدن آيا من أعظم ما ابتلينا به في العصر الراهن " وسائل التواصل الاجتماعي"، هذه الوسائل التي أصبحت "مقاصد" يركن إليها أغلب الناس شبابا وشيبا، والتي قضت على وقتهم الثمين الذي هو أكبر ثروة يمتلكونها... لكنها أعظم خطرا وأشد وقعا على الجيل الناشئ الذي ما زال بحاجة إلى جهة تحتضنه، وتمسك بيده في دروب الحياة حتى تهديه الصراط المستقيم، وحتى لا يضل السبيل ويتيه في أزقة الحياة المتشعبة والمحفوفة بالمغريِات. فعندما لا تقوم الجهة المسؤولة عن هذه التنشئة بدورها في التربية، فإن الشاب ستتلقفه جهات أخرى مستعدة لأن تبذل الغالي والنفيس حتى تجد من يزيد سوادها ويسايرها في المنهج ذراعا بذراع، وحتى يقل عدد من يناوئها، وليخلو لها الجو فتعثو في الأرض فسادا... وانطلاقا من هذا الخطر المحدِق بالشباب المسلم في هذا العصر، رأيت أنه من الواجب على الغيور على دينه والمنتصر لسبيل ربه أن يشمر عن ساعد الجد ويساهم في إنارة الطريق أمام أناس يحتاجون إلى من يقتبسون من نوره، ليبصروا أمامهم وليهتدوا إلى سواء السبيل... وفي سبيل ترجمة هذا الإيمان إلى عمل وتجسيده في شيء ينفع المسلمين قررت أن أسطر أحرفا أحاول من خلالها وضع ملامح أولية لمنهج للتعامل مع وسائل التواصل الاجتماعي تمهيدا للطريق أمام فرسان القلم - الذين يملكون ناصية البلاغة وزمام الفكر النير- ليكتبوا عن هذا الأمر ويبلوروا أفكاره أكثر. وتتمثل هذه الملامح الأولية في النقاط الآتية: أولا: الشعور بالخطر: فأول شيء ينبغي أن يستشعره من يرتاد هذه المواقع، هو الخطر، فلا مجال هنا لحسن النية، أو لأخذ الأمور بالظواهر؛ لسوء نية المصدر، وللحرب الشعواء ضد المسلمين قديما وحديثا، ابتداء من حرب إبليس لأبينا آدم وحسده إياه حتى أخرجه من الجنة، وصولا إلى مكايد الغرب أبناء إبليس الذين لا يعصون له أمرا ولا يتنحون عن طريقه المعوج شبرا ... كما ينبغي أن لا يغيب عن أذهاننا ذلك العهد الذي حكمه إبليس على نفسه: " لأغوينهم أجمعين" لنزداد حرصا على أن نكون من القلة المستثناة في الآية: " إلا عبادك منهم المخلصين"... إن الحرب ضد المسلمين اتخذت مناهج مختلفة وصورا عديدة، لكن الذي استقرت عليه منذ قرون، والذي أدرك الغرب جدوائيته أكثر من غيره، هو الحرب الفكرية، وذلك بالوصول إلى عقول المسلمين واستغلال سِنتها ونومها الذي تغِط فيه منذ زمن وتغيير برمجتها الفطرية لينسلخ في النهاية كل إنسان عن إنسانيته، ويتخلى كل مسلم عن كرامته وعن المنهج الإسلامي القويم الذي ارتضاه الله له سبيلا يوصله إلى غاياته العليا ويحقق مصالحه في الدارين. ومما يدعو إلى القلق ويثير البلابل والهموم أن ترى أناسا يسقطون في بحر غَطَمْطَم، فتتقاذفهم أمواجه دون أن يجدوا خبيرا في غوص البحار ينقذهم، وحتى دون أن يجدوا من يحاول ... فتكون نهايتهم إلى المنية؛ بين من تخطفته يد الردى من حينه، ومن قاوم قليلا فلفظ أنفاسه في نهاية المطاف... هذا ـ للأسف الشديد ــ هو حال من يقصدون هذه الوسائل ويتعهدونها بالزيارة المرَّةَ بعد المرَّةِ، خصوصا من الشباب الذين لم يثقفوا كثيرا، و لم تكن لهم حصانة دينية تمنعهم من السقوط في الفخ، ولا تجربة تنير أمامهم الطريق، فيلجأ الواحد منهم إلى هذه الوسائل قصد التسلية والترويح عن النفس، لكنه بعد هنيهة، وبدون سابق إنذار يسقط في قعرها وتتقاذفه أمواجها. فهذه الوسائل التواصلية التي جعلت العالم يعيش تحت سقف واحد، لم تصدر عبثا أو اعتباطا ... لا وكلا؛ بل كانت أمرا مدبَّرا بليل، يدخل ضمن الحملة الشرسة ضد المسلمين، ومن أجل أن يظل الشباب المسلم قابعا في ظلام ضياع الوقت الدامس، وحتى يتخلف عن ركب الحضارة، وخوفا من أن يستغل وقته الثمين فيأخذ زمام الأمور ويعيد البوصلة إلى صالح الإسلام... كل هذا وغيره ــ على الأقل ــ يُشْعِرُ المسلمَ بالخطر المحدق به، وحينما يَشعُرُ بالخطر فما ذا عساه أن يفعل؟ ثانيا: الاستعداد للمواجهة: عندما يدرك المسلم جسيم الخطر الذي يواجهه، وأنه أمام معركة الفكر والقلم، معركة راح ضحاياها كثير من الشباب وما زال فتيلها وأوَّارها السَّمومي يُلحق بهم الضرر يوما بعد يوم، لا بد أن يستعد للمواجهة، متزودا لهذه المعركة بالعلم النابع من قلب ينبُض إيمانا واعتزازا بالدين الإسلامي، ويجري في شرايينه بغض الكفر والكفرة، وهذا الاستعداد بعد أن يتزود الإنسان بسلاح العلم يتجسد في آليات منها: 1) أن ينشر مكايد الغرب على أوسع نطاق حتى لا يُغرَّر بالأبرياء: وأن يكون اهتمامه الأول الجيل الصاعد، جيل الشباب؛ لأن غالبية الشباب هم أرض أريضة صالحة لبذر أي شيء (خيرٍ أو شرٍّ )، فلا بد لهم من حماية فكرية وروحية تضمن لهم بقاءهم على الفطرة السليمة ... ربما يقول قائل: إني أسرفت في تصديقي لنظرية المؤامرة ... لكني أقول له إن هذا ليس تصديقا لتلك النظرية، بل لما نطق به القرآن وصدقه الواقع "ودوا لو تكفرون كما كفروا فتكونون سواء"، "ما يود الذين كفروا من أهل الكتاب ولا المشركين أن ينزل عليكم من خير من ربكم"، "ولن ترضى عنك اليهود ولا النصارى حتى تتبع ملتهم"، " إن الذين كفروا ينفقون أموالهم ليصدوا عن سبيل الله ". 2) أن يشغل الفراغ ويستغل الوقت فيما ينفعه: ففي هذا النزال الفكري لا بد أن نكون حريصين كل الحرص على استغلال أو قاتنا فيما ينفعنا، ونعلم أن المستهدف بالوسائل المتزايدة يوما بعد يوم هو الشاب المسلم في الدرجة الأولى ، كما لا بد أن نستحضر قصر العمر، وأن كل أحد منا سيقف بين يدي ربه فينظر أيمن منه فلا يجد إلا ما قدم وينظر أشأم منه فلا يرى إلا ما قدم، وبالتالي فأثمن بضاعة عند المسلم هي وقته؛ لأنه باستغلاله يمكن أن يكون من أهل الجنة، وباستغلاله يمكن أن يكون من أعلم الناس، وباستغلاله يمكن أن يكون من أغناهم، وهذا هو ما جعل الصحابة ومن تبعهم بإحسان يشمرون عن ساعد الجد ويسهرون طوال الليالي في سبيل إرضاء الله تبارك وتعالى، وإن استغلالهم لوقتهم واعتاءهم به هو الذي وصفه الحسن البصري بقوله: " أدركت أقواما كان أحدهم ألح على عمره منه على درهمه وديناره"، وكان دائما يكرر: "يا بن آدم إنما أنت أيام فكلما ذهب يوم ذهب بعضك". 3) أن يتخذ من هذه الوسائل أسلحة مضادة: من المعلوم أن هذه الوسائل في النهاية هي سلاح ذو حدين؛ يمكن أن تستغله في الخير ويمكن أن يهوي بك إلى وحل الشر، وما دام الأمر كذلك فإن المسلم المتزود بسلاح العلم، المستعد للنزال مواجهةً للغرب، المدرك عظم مكرهم وسوء نياتهم يمكن أن يتخذ من هذه الوسائل أسلحة مضادة يدحض بها حججهم، ويفضح بها مكرهم، ويدعو بها إلى المحجة البيضاء، فهي سلاح فتاك ودمار شامل وسريع، يمكن أن تَصل به في هنيهة إلى البيت الأبيض، كما يمكن أن تدُك به حصون تل أبيب وتستعيد به حيفا وما بعد ما بعد حيفا ... كل ذلك بجهاد القلم والفكر الثاقب والمستنير. 4) أن لا يأخذ كل ما يصدره الغرب بحسن نية: فلا مجال هنا لحسن النية، بل ينبغي أن يكون حاضرا في ذهن المسلم ذلك العداء الذي بيننا وبينهم، وذلك الصراع الذي بين الحق والباطل الذي سيبقى موجودا حتى يرث الله الأرض ومن عليها . ثالثا: أن لا تكون هذه الوسائل "مقاصد": رغم أهمية هذه الوسائل وأنها واقع فرض نفسه في العصر الراهن، لا مناص منه ولا مفر، إلا أنها مع ذلك ينبغي أن لا يظل المسلم أسيرها، وأن لا تكون كل شيء بالنسبة إليه، فهي ليست هدفا بحد ذاتها، بل لا ينبغي أن تأخذ من وقته إلا القليل، خصوصا حينما يكون تعلمه وعمله غير منوط ومرهون بها، فهي إضافة إلى مخلفاتها الصحية عدوة للوقت لا تبقي منه شيئا ولا تذر ... ومما يؤسف كثيرا، ويدعو إلى السخرية في بعض الأحيان أن ترى شبابا معلقة عليهم آمال جسام؛ تجاه دينهم وأمتهم ومجتمعهم وأسرهم، وهم مع ذلك يتحنثون الليالي ذوات العدد أمام الشاشات وفي عالم الأنترنت، وكأنهم بذلك يؤدون شعائر دينية ويتقربون إلى الباري جل شأنه ... والأعظم من ذلك والأدهى والأمر أن بعضهم وممن لا يحسبون للأمور حسابها يسقطون في وحل المعاصي وتغريهم تلك المغريات فينسوا أنهم في رقابة مستمرة، وأن من يعمل مثقال ذرة شرا يره ... فيا حسرتهم ويا طول بكائهم يوم القيامة. رابعا: الأخذ من خيرها وترك شرها: من سمات العقلاء وصفات النبلاء، أنهم لا يتلقفون كل ما أتاهم بعجره وبجره، بل يغربلونه من أجل أن يأخذوا ما ينفع منه وما فيه من خير، ويتركوا ضرره وما فيه من شر... كذلك ينبغي أن يكون منهجنا مع هذه الوسائط. فهي وإن كانت في طياتها مفاسد جمة، إلا أنها تتضمن أيضا مصالح كثيرة يمكن أن تفيد المسلم وتكون في صالح الإسلام شريطة أن تجد من يعقلون، ويميزون بين الحق والباطل، وبين الخير والشر، ومن يسعون إلى نشر الخير في أوسع نطاق؛ انطلاقا من فقههم الثاقب في الدين وإدراكهم أن الإصلاح ليس في الانعزال في الصوامع ولا الاعتكاف في المساجد فقط، بل لا بد من منازلة الشر وقرعه بسيوف الخير حتى تتركه صريعا، ولو أدى ذلك إلى ارتكاب أضرار خفيفة في سبيل درء أضرار أكبر. الحق والحق أقول: إننا معاشر المسلمين أمام تحديات كبرى تتطلب منا جهودا كبيرة حتى نتجاوز ما نقبع فيه من انتكاس وتقهقر... فحلنا من هذا العقال الذي نحن فيه والذي تسبب في تأخرنا عن الركب لن يكون إلا بالدين؛ لأننا " قوم أعزنا الله بالإسلام، فمهما ابتغينا العزة بغيره أذلنا الله "... فأخذنا لزمام الأمور وتمكيننا من الريادة والسيادة منوط ومرهون بالعض على الدين بالنواجذ، والسير مع السنن الإلهية في فلك.